السعيد شنوقة

209

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [ الحجرات : 9 ] الثاني : الطريق بالأمر الصعب إن لم يفد الأمر السهل وبعد استنفاذ سعي الصلح ؛ فيكون بالمقاتلة لأن الغرض لا ينتفع إلا بها « 1 » ، والذي ذهب إلى وجوب المقاتلة إذا لم يكن دفع المنكر إلا به فرق من أهل السنة وجميع المعتزلة والخوارج والزيدية « 2 » . وقد جعلوا القتال فرضا عند التمكن منه وعدم اليأس من الظفر ، وعملوا بترك التغيير باليد إذا كانوا في عدد لا يرجون الفوز والظفر لقلّتهم وضعفهم ، وهو قول الإمام علي - رضي الله عنه - وكل من معه من الصحابة « 3 » . لقد قصدنا في بسطنا لهذه الأصول أن نوضح المنهج الفكري العام للمعتزلة ونكشف نسقهم الفكري من خلال أصولهم الخمسة لنعرف لاحقا كيف ، فسّروا القرآن الكريم وفق هذه الأصول الفكرية بما وظفوه من أدوات خدموا بها مذهبهم ، فدلت على أنهم نظروا إلى القرآن الكريم من خلال عقيدتهم التي قصدوا بها توحيد الله وعدله وتنزيهه عن كل شبه على أساس الاعتداد بالعقل قبل النقل ؛ فكثر مخالفوهم ومعادوهم واتسعت دائرتهما . وكان للمعتزلة في هذا الفضاء الصولة والجولة تدافع عن وجهة نظرها ، وترد آراء غيرها وفق منهج صارم يبدو أنه غالى بخاصة في جانب التأويل الذي سعوا فيه إلى إخضاع ألفاظ القرآن الكريم لآرائهم ، ففسروها بما ينسجم مع أفكارهم رغم ذهاب بعض الدارسين إلى أن أوائلهم هدفوا بالتأويل ذي السند العقلي أن يحفظوا القرآن من التشكيك ، ولم يكن على أقل تقدير من باب التنصل من النقل أو نزوع نقدي حر وإنما كان عن ورع وتقوى « 4 » . ونحن رأينا مغالاتهم في التأويل لأنهم أجهدوا عقولهم خارج

--> ( 1 ) انظر م ن ، ج 2 ، ص 373 . ( 2 ) نسبة إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي طمع في استرداد الخلافة بخروجه عن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك إلا أن اتباعه خذلوه فقتل . وهذه الفرقة أقرب الشيعة إلى الجماعة الإسلامية : انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 22 ، والإيجي ، المواقف في علم الكلام ، ص 418 - 423 ، ود . محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، ج 2 ، ص 5 . ( 3 ) نظر ابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 5 ، ص 20 . ( 4 ) انظر جولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 133 - 134 .